الشيخ محمد الصادقي

414

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

السجن ، فإن عقوبة السجن إضافة إلى أنها لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة إلّا مدة السجن ، قد يتعقد نفسياً أكثر فيعقد على سرقة أكثر أم ويتعلم من سائر السجناء فنوناً أخرى في السرقة ، ونفس بقاءه في السجن تعطيل له عن السعي وراء المعيشة ، وعبءٌ على بيت مال المسلمين . ذلك ، ووصمة الحد تصد السارق عن تكرار السرقة ، كما وهي نُبهةٌ لمن يهوون في سرقة ، ثم اليد المقطوعة عَلَم بارز للغافلين ، وعَلَم للذين يعيشون مع السارق لكي يأخذوا حذرهم عنه كيلًا تتكرر الجريمة . ولا ينقضي العجاب من هؤلاء المتفرنحيين المعترضين على حد السرقة وغيرها من جريمة ، أنه لا يتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية المتحضرة ، ويكأن هذه المدنية لاترجح صالح الطمأنينة الجماعية على تلكم العقوبات الرادعة الشخصية ! فهي كأم هي أرحم من الضئر للولد ، وما دامن عقوبة الحد كشوط أخير في الرَّدع عن الجرائم - ملائمة مصلحة للفرد وصالحة للجماعة فهي - إذاً - أفضل العقوبات وأعدلها . ذلك ، وبالنظر إلى أن الحد ليس إلّا بعد البيان والبينة ، وفي غير الملابسات العاذرة ، ضرورة أماهيه مما تعذر المجرم أم تخفف جريمته ، فلا علاج لمشكلة الجرائم العامدة العاندة إلّا الحدود المرسومة في شرعة اللّه ، وفي كلمة واحدة : « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . أجل وإن العقوبة نكال من اللّه حيث تردع عن ارتكاب الجريمة من ارتكبها فارتبك بها ، أو من تحدث نفسه بها ، ونوال للجماعة المؤمنة حيث توفر لها الطمأنينة ، ولم تطبق هذه العقوبات بداية الإسلام إلا زهاء قرن من الزمان إلا وقد طهرت المجتمع عن أوزارها وأوضارها .